|
المحاماة من المهن الحرة ذات التاريخ العريق وتعد من أشرف المهن
الاجتماعية وأنبلها لتعلقها بمصالح العباد ونصرة المظلوم والدفاع
عنه والبحث عن الحقيقة. والمحامون هم حملة مشاعل الحق والعدالة.
وهم جناح العدالة الثاني الذي يعاون القضاء في كشف الحقائق وإبراز
الوقائع بشكل واضح وإثباتها بالأدلة المعتبرة شرعاً ونظاماً. وقد
وصفها العديد من فقهاء القانون : "بأنها قديمة كالقضاء وشريفة
كالفضيلة ولازمة كالعدالة ولا توجد مهنة أكثر منها جمالاً ولا
أحق منها بالاهتمام. فهي المهنة التي يمكن أن تجعل صاحبها نبيلاً،
غنياً دون وفرة المال، كبيراً دون الجاه الفارغ، سعيداً دون الثروة
المادية، ففي هذه الصناعة يلتقي النبوغ والتفوق والجاه مع الثروة
الأدبية". وقال عنها الملك لويس الثاني عشر: "لو لم أكن ملكاً
لفرنسا لوددت أن أكون محامياً". فالمحاماة هي مهنة الفرسان والنبلاء،
وهي المهنة الوحيدة التي يعود إليها صاحبها بكل فخر بعد أن يغادر
أعلى المناصب في الدولة. وفي تاريخ العديد من البلاد العديد من
وزراء ورؤساء حكومات عادوا إلى مزاولة مهنة المحاماة بعد تركهم
مناصبهم. ومن أعمال المحاماة إبداء الآراء القانونية دون تعقيب
أو مرافعة سواء أكان الرأي على شكل فتوى في موضوع معين أم كان
جواباً على سؤال محدد أم كان على شكل استشارة قانونية في مطلق
الأمور المتصلة بالقانون أم كان على شكل عقد من العقود يقوم المحامي
بتنظيمه. فالاستشارة القانونية من الأمور الدقيقة التي يمارسها
المحامي. وبعض الناس يحملهم الشك والتردد لاتخاذ القرار في أصعب
الأمور قبل أن يستعين برأي المحامي لإزالة الشك والتردد الذي يعتريه
. إن الاستشارة خطيرة النتائج، فهي قد تكون سبباً في الإقدام على
أمر خاطئ أو ضار أو العدول عن رأي كان صاحبه على صواب فيه. ولهذا
يتعين على المحامي أن لا يعطي رأيه فيما استفتي فيه فوراً وارتجالاً
وإنما عليه أن يدرس القضية كما لو كان يدرس دعوى ثم يرجع للمستندات
إن وجدت ويعود بعدها للقانون يستفتيه قبل أن يقدم هو فتواه. كل
فرد له طبيبه الخاص وله محاميه الخاص سواء بسواء. يستفتيه ويسأله
الرأي بسلوك حضاري مهذب وأهمية المحامي كالطبيب. فكما أن هناك
الطب الدوائي، هناك الطب الوقائي. وإذا كانت مهمة الأول العلاج
فمهمة الثاني تجنب المرض وتفاديه وما يصح قوله في الطب يصح في
القانون. إذ هناك الدعوى، وهناك الاستشارة. فالدعوى علاج، والاستشارة
وقاية. بعض الزملاء يتطوعون بالإجابة على نحو (متسرع) ظناً منهم
أن الإجابة السريعة تزيد السائل قناعة بكفاءته وتوسع شهرته. بتقديرنا
هذا خطأ. لأن السائل سرعان ما يستفتي غيره (مجاناً أيضاً) ويكشف
التناقض في الإجابات. وبالنسبة للعقود فليس من السهل تنظيم العقود
فأغلب الدعاوى تقوم على العقود. وسببها العقد. والعقد هو حجر الأساس
في كيان الدعوى. إن العقد فن خاص من فنون المحاماة يحتاج لمهارة
خاصة في تفهم مراد الطرفين وقدرة الموازنة بين مصلحتيهما حسب القانون.
ويجب عندما يهم المحامي بتنظيم عقد من العقود أن يراعي أن العقد
طالما كان ارتباطاً ينظم مصلحة طرفين على أساس متوازن فينبغي ملاحظة
الحقوق المتقابلة بحيث لا يرهق احد الطرفين، ولا يكون الغنم لأحدهما،
والغرم للآخر. وباعتبار العقد غالباً ما يبنى على أحكام ونصوص
القانون المدني فيجب الرجوع لأحكام القانون المدني في العقد وتطبيقها
تطبيقاً كاملاً، ومراعاة الدقة في مقدمة العقد بحيث يتضح للوهلة
الأولى مراد الطرفين دون زيادة أو نقصان. وأن يراعي الإيجاز الكامل
في القول. أما بالنسبة للمرافعة ذلك النضال العلمي الذي يستخدم
فيه المحامي كل إمكانياته بمصارعة الخصم وإقناع القضاة ومناقشة
الشهود والخبراء والأدلة ليفوز آخر الأمر ويكسب الجولة فما أشقها؟
من أجل ذلك كانت المرافعة بحراً كبحر المحاماة ذاتها بعيد الشاطئ
عميق الغور دائم الأمواج. فما أحلى المرافعة وكتابة المذكرة عندما
يكون المحامي في موقف قوي يصول فيه ويجول ويملك أسحله متنوعة من
سلاح العلم والفن إلى سلاح اللسان والبيان. وما أمرها عندما يكون
المحامي في موقف ضعيف عندما تخونه سلامة المنطق ودامغ الحجة وشجاعة
الرأي.
|