English

الرئيسية

فريق العمل

المؤلفات

شركائنا في الخارج

إستشارات

خدماتنا

الإستثمار في المملكة

إتصل بنا

مسؤولية المحامي بين بذل العناية وتحقيق النتيجة

" أقسم بالله العظيم أن أدافع عن الحق والعدل وأن أتخذ الأمانة والشرف مسلكاً لي في عملي بمهنة المحاماة و أن أحترم الدستور والقانون و أن أحافظ على الاحترام الواجب لمحاكم الدولة والسلطة العمومية " هكذا يبدأ المحامون حياتهم العملية بهذا القسم الذي يلزمهم بالمحافظة على شرف المهنة والدفاع عن الحق والعدل في سبيل الدفاع عن المستضعفين وأصحاب الحقوق. وقد عرف المشرع السعودي مهنة المحاماة في نظام المحاماة في مادته الأولى : يُقصد بمهنة المُحاماة في هذا النِظام: الترافُع عن الغير أمام المحاكِم وديوان المظالِم، واللِّجان المُشكلة بموجب الأنظِمة والأوامر والقرارات لنظر القضايا الداخلة في اختِصاصِها، ومُزاولة الاستشارات الشرعية والنِظامية. ويُسمَّى من يُزاوِل هذه المِهنة مُحـامياً. كما عرف قانون المحاماة المصري في مادته الأولى مهنة المحاماة : المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وفي تأكيد سيادة القانون وفي كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم. ويمارس مهنة المحاماة المحامون وحدهم في استقلال ولا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم وأحكام القانون. وقد تولى الفقهاء تعريف مهنة المحاماة ومن يمارسها من المحامون فعرفها الفقيه احمد أبوالوفاء بأنهم "طائفة من رجال القانون غير الموظفين يقومون بمساعدة المتقاضين بإبداء النصح إليهم و مباشرة إجراءات الخصومة عنهم أمام المحاكم بطريق الوكالة" كما وصفها فولتير "بأنها أسمى مهنة في الوجود". مثل هذه التعريفات تبرز أولا وبالذات عراقة مهنة المحاماة التي امتدت منذ العصور القديمة مروراً بطائفة السفسطائين (اصحاب المقدرة على قلب الحق إلى باطل والباطل إلى حق بجدالهم العقلي الصحيح) لتصل جذورها إلى حد الحياة القضائية المعاصرة فصارت مهنة المحاماة منظمة و مقننة . وحين نعرض لمسئولية المحامي في القيام بأعماله يجب علينا أن نعرض لمسئوليته الجزائية والتـأديبية و المدنية ويجب علينا أن نتساءل عن طبيعة الالتزام المحمول عليه هل هو التزام ببذل عناية أم التزام بتحقيق نتيجة ؟ إن كيفية طرح الموضوع تفرض وجود مقارنة بين التزام المحامي بتحقيق نتيجة والتزامه ببذل عناية و تلك المقارنة مأتاها الأساسي عدم إمكانية الجزم بطبيعة مسؤولية المحامي هل هي عقدية أم تقصيرية ؟ للإجابة على هذا التساؤل لابد من التعرض إلى حجج أنصار المسؤولية العقدية للمحامي و مقارنتها بتلك التي يتمسك بها القائلون بأن مسؤولية المحامي هي مسؤولية تقصيرية . فيرى أنصار المسؤولية العقدية للمحامي أن مسؤولية المحامي عن أخطائه المهنية أساسها الإخلال بالتزام عقدي وهو الاتجاه السـائد فــي مصر وفرنسا و كذلك القانون الإنجليزي و الأمريكي الذين يعتقدون أن علاقة المحامي بموكله إنما هي علاقة الموكل بوكيله، و لكن حري بنا الإشارة إلى أنه ولئن اتفق أنصار المسؤولية العقدية للمحامي على أن العقد هو أساس تلك المسؤولية فإنهم اختلفوا حول طبيعة ذلك العقد فمنهم من ذهب إلى أن أساس المسئولية العقدية للمحامي يرجع إلى أن عقد المحاماة من العقود المسماه فأعتبره البعض من العقود المجانية نظراً إلى رقي وسمو مهنة المحاماة وترفعها عن الماديات إلا أن هذا الرأي سرعان ما تم التخلي عنه لأن بعض أعمال المحاماة تقوم على أساس مقابل مادي ، وقد ذهب رأي آخر إلى أن عقد المحاماة من عقود الوكالة نظراً إلى أن المحامي يقوم بالأعمال الموكل فيها بموجب وكالة صادرة من الموكل تجيز له التحدث باسم الموكل والدفاع عن حقوقه إلأ إن هذا الرأي أيضاً لم يسلم من النقد نظراً إلى أن بعض أعمال المحامي لا تنطبق على عقد الوكالة ، وقد ذهب رأي ثالث إلى أن عقد المحاماة من عقود المقاولة والتي يقصد بها قيام شخص بعمل معين لفائدة شخص آخر مقابل أجر دون أن يخضع لإشرافه أو إرادته غير أن هذا القول يجعل مهنة المحاماة مقتصرة على الأعمال المـادية في حين إن أعمـال المحـامي هي خليط من الأعمال القانونية و المادية المتداخلة و التي لا يمكن فصلها ، وقد ذهب رأي رابع إلى أن عقد المحاماة من عقود القانون العام نظراً لخضوعه لقواعد خاصة بالنظر إلى أن المحامي هو القاضي الأول الذي يساهم أولاً في حسم النزاع ويعقب عمله قيام القاضي الحقيقي بالفصل فيه و لكن هذا الرأي أيضاً لا يتماشى كذلك مع طبيعة مهنة المحاماة ذلك أن المحامي و لئن كان مساعدا على حسن سير مرفق عام وهو مرفق العدالة فإنه ليس موظفا و هو يمارس مهنته بكامل الإستقلالية و الحرية التي تخوله رفض التسخير المقدم له من طرف العدالة إن كانت الطريقة التي قدم بها لا تتماشى مع أخلاقيات المهنة و منقصة لهيبة المحامي كالتسخير الحيني في قاعات الجلسات الجنائية في حين إن الموظف المرتبط بعقد من عقود القانون العام يفتقد لتلك الحرية وتراه مجبرا على أداء وظيفته سواء كان مقتنعا أم لا. كل تلك الإنتقادات التي واجهتها نظريات العقد المسمى جعلت البعض أمثال الفقيه الفرنسي قـارسونييه (Garçonnier) يعتبرون أن العقد الذي يربط بين المحامي وموكله هو من قبيل العقود غير المسماة المعترف بصحتها قانونا و المنشأة لالتزامات يترتب عليها آثارا متعارف عليها فقها و قضاء و عرفا فلا يمكن مساءلة المحامي بوصفه وكيلا بالمعنى الضيق للكلمة بالنظر إلى أن العلاقة التي تجمع المحامي بموكله هي علاقة خاصة تتجاوز حدود الوكالة الضيقة ، و لكن جميع النظريات القائلة بالعلاقة التعاقدية بين المحامي و موكله على اختلاف تصنيفها وكونها أساس الإلتزام فإنها تجتمع على مبدأين أساسيين هما:وجود علاقة قانونية بين المحامي وموكله تنبني عليها مسؤولية الأول عن الضرر الناتج لموكله وتتميز هذه النظرية أولا و بالذات بالتركيز على استقلالية المحامي على الصعيدين الأدبي القانوني أو المادي. وهذه الإنتقادات التي واجهها أنصار المسؤولية التعاقدية للمحامي جعلت البعض يذهبون إلى القول بأن مسؤولية المحامي هي في الواقع مسؤولية مزدوجة تكون تارة عقدية و أخرى تقصيرية. فالمسؤولية التقصيرية للمحامي تقوم على أساس عدم احترام المحامي لواجب قانوني يتمثل في بذل العناية الكافية و المتماشية مع قـانون و أخلاقيـات المهنة و ذلك بالنظر إلى أن الأعمال التي يقوم بها المحامي تكتسي صبغة خصوصية لطابعها الأدبي العلمي الذي لا يمكن أن يكون محل تعاقد فيكون بالتالي التزام المحامي التزاما ببذل عناية وليس التزاما بتحقيق نتيجة ، ولكن هذا الرأي يحمل في طياته أسباب فشله بالنظر إلى أن كل التشاريع المنظمة لمهنة المحاماة قد أقرت حق المحامي في استخلاص مقابل دفاعه من ذلك المادة السادسة والعشرون:من نظام المحاماة السعودي التي نصت على "تُحدَّد أتعـاب المُحامي وطريقة دفعِها باتِفاق يعقِدُه مع موكِلُه، فإذا لم يكُن هُناك اتِفاق أو كان الاتِفاق مُختلِفاً فيه أو باطِـلاً، قدرتها المحكمة التي نظرت في القضية عند اختِلافِهما بناءً على طلب المُحامي أو الموكِل بما يتناسب مع الجُهد الذي بذلهُ المُحامي والنفع الذي عاد على الموكِل. ويُطبق هذا الحُكم كذلك إذا نشأ عن الدعوى الأصلية أيِّ دعوى فرعية" وبالتالي فإن ما يمكن أن نستخلصه من خلال دراسة مؤيدات أنصار المسؤولية العقدية من جهة و التقصيرية من جهة أخرى أن مسؤولية المحامي بالنظر إلى خصوصية الأعمال التي يقوم بها لا يمكن إلا أن تكون مسؤولية مهنية بالدرجة الأولى تتأرجح حينا نحو التقصير عن إتمام واجب قانوني و حينا آخر نحو مخالفة العقد الرابط بين المحامي و موكله فيكون التزام المحامي في الصورة الأولى التزاما ببذل عناية و في الصورة الثانية التزاما بتحقيق نتيجة.

أ.د/ عبدالله عبدالعزيز الدرعان

جميع الحقوق محفوظة لـ الدرعان محامون ومستشارون قانونيون
تنفيذ وتطوير هوارايزن دريم